الأحد ١٤ / يونيو / ٢٠٢٦
عاجل
logo د. حماد الرمحي يكتب: رسالة إلى وزير التموين..لماذا يجب مراجعة القرارات الآخيرة؟logo إحالة واقعة "مراتب القلج المغشوشة" للنيابة العامة.. وحماية المستهلك يشدد الرقابة على الأسواقlogo صحة قلبك تبدأ من فمك.. د. جمال شعبان يحذر: إهمال غسيل الأسنان يهدد حياتكlogo ثورة تصحيح المسار: كيف صاغ بيان 3 يوليو ملامح الجمهورية الجديدة؟logo مذكرة الأحد المرتقبة.. تباين واسع بين الإعلام الأمريكي والوكالة الإيرانية بشأن شروط وقف النارlogo ​سعر الذهب اليوم.. مفاجأة في أسعار الذهب الآن بمصر وعيار 21 يسجل هذا الرقمlogo "صناع العاصمة" مع جينا فتحي يفتح ملف العمالة غير المنتظمة على قناة النهار logo عصير القصب بـ "التيتانيوم".. تحرك عاجل من حماية المستهلك بعد ضبط محلات غش في القليوبيةlogo بشرى للمواطنين.. وزارة الكهرباء تعلن تيسيرات جديدة لتحويل العدادات الكودية لقانونيةlogo الرئيس السيسي يوجه بتطبيق معايير الكفاءة والشفافية في تعيينات ووظائف الدولة القياديةlogo ​اختراق رقمي باسم الدين.. حقيقة حركة "المثلث المقدس" و"الخيمة الإبراهيمية"logo ​سعر الذهب اليوم في مصر .. قفزة مفاجئة في عيار 21 والجنيه الذهب logo رئيس مدينة شبرا الخيمة ورئيس حي شرق يقودان حملة لتطهير سوق بهتيم وإعادة المظهر الحضاريlogo مستقبل وطن بالقليوبية: مصطفى الكمار يلتقي الهيئة البرلمانية لتعزيز الخدمات المقدمة للمواطنينlogo ترقب في الأسواق العالمية.. بيانات أمريكية حاسمة ترسم مسار الذهب والفضة اليومlogo د. حماد الرمحي يكتب: رسالة إلى وزير التموين..لماذا يجب مراجعة القرارات الآخيرة؟logo إحالة واقعة "مراتب القلج المغشوشة" للنيابة العامة.. وحماية المستهلك يشدد الرقابة على الأسواقlogo صحة قلبك تبدأ من فمك.. د. جمال شعبان يحذر: إهمال غسيل الأسنان يهدد حياتكlogo ثورة تصحيح المسار: كيف صاغ بيان 3 يوليو ملامح الجمهورية الجديدة؟logo مذكرة الأحد المرتقبة.. تباين واسع بين الإعلام الأمريكي والوكالة الإيرانية بشأن شروط وقف النارlogo ​سعر الذهب اليوم.. مفاجأة في أسعار الذهب الآن بمصر وعيار 21 يسجل هذا الرقمlogo "صناع العاصمة" مع جينا فتحي يفتح ملف العمالة غير المنتظمة على قناة النهار logo عصير القصب بـ "التيتانيوم".. تحرك عاجل من حماية المستهلك بعد ضبط محلات غش في القليوبيةlogo بشرى للمواطنين.. وزارة الكهرباء تعلن تيسيرات جديدة لتحويل العدادات الكودية لقانونيةlogo الرئيس السيسي يوجه بتطبيق معايير الكفاءة والشفافية في تعيينات ووظائف الدولة القياديةlogo ​اختراق رقمي باسم الدين.. حقيقة حركة "المثلث المقدس" و"الخيمة الإبراهيمية"logo ​سعر الذهب اليوم في مصر .. قفزة مفاجئة في عيار 21 والجنيه الذهب logo رئيس مدينة شبرا الخيمة ورئيس حي شرق يقودان حملة لتطهير سوق بهتيم وإعادة المظهر الحضاريlogo مستقبل وطن بالقليوبية: مصطفى الكمار يلتقي الهيئة البرلمانية لتعزيز الخدمات المقدمة للمواطنينlogo ترقب في الأسواق العالمية.. بيانات أمريكية حاسمة ترسم مسار الذهب والفضة اليوم

د. حماد الرمحي يكتب: رسالة إلى وزير التموين..لماذا يجب مراجعة القرارات الآخيرة؟

د. حماد الرمحي يكتب: رسالة إلى وزير التموين..لماذا يجب مراجعة القرارات الآخيرة؟
د. حماد الرمحي
بقلم د. حماد الرمحي

«والعيش والملح».. قسمٌ عرفه المصريون قبل أن تولد وزارة التموين بنحو خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، ليكشف قدسية «الخبز» الذي تحول عند المصريين إلى مصطلح «العيش» ليدل على أنه شيءٌ مقدس باعتباره هبة الحياة.


في العصر الحديث، كانت الدولة المصرية تضع في قوانينها وقراراتها وسياساتها القومية محددين رئيسيين لا يجوز انتهاكهما مهما بلغت التحديات، وهما «المياه» و«الخبز»، فكانا دائماً ضمن محددات الأمن القومي المصري، ولا يجوز قطعهما عن أي مواطن مهما كانت الأسباب.
من هذا المنطلق التاريخي والوطني، أُدرك تماماً أن وزارة التموين والتجارة الداخلية، تحت قيادة الدكتور شريف فاروق، تخوض معركة وطنية شاقة، وتتبع استراتيجية طموحة لترسيخ دعائم «العدالة الاجتماعية» عبر تنقية البطاقات التموينية وتوجيه الدعم إلى مستحقيه الفعليين.

فبما أن العصمة لله وحده، وأن السياسات تُقاس بآثارها على البشر لا بصرامة نصوصها، وأن الإجراءات قد تنحرف عن مسارها فتجور بغير قصد على حقوق البسطاء، وهنا تتحول تلك العدالة المنشودة إلى ظلمٍ بيّن، وأداة قاسية تفتك بطمأنينة الأسر، وتطحنها تحت رحى معايير صمّاء وأرقام جافة؛ أرقامٍ عاجزة عن قراءة الواقع الحقيقي، وأنين العوز الخفي، وتفاصيل الوجع الإنساني القابع خلف الأبواب الموصدة.

وانحيازاً لضمير الوطن والمواطن، أجد لزاماً عليَّ أن أبعث بهذه الرسالة الصادقة إلى الدكتور شريف فاروق؛ لا بقصد النقد، بل أملاً في إضاءة الزوايا المعتمة في القرار، عسى أن نكون شركاء في تقويم الميزان، وإرساء قواعد «العدالة الاجتماعية» الحقيقية التي «ترحم» قبل أن «تحكم» و«تُنصف» قبل أن «تستبعد».

.. ميزانية الدعم والتركة الثقيلة
وقبل أن نستعرض ميزانية الدعم في مصر وعدد المستفيدين منها، لا بد أن نسلّم أولاً بأن الدعم التمويني لم يكن يوماً منحة أو هبة، بل كان ولا يزال أحد أهم أدوات الحماية الاجتماعية، وركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي المصري.
طبقاً للأرقام الرسمية، يستفيد من منظومة الخبز المدعم ما يزيد على 71 مليون مواطن، بينما يستفيد من منظومة السلع التموينية نحو 64 مليون مواطن، موزعين على ما يقارب 22 مليون بطاقة تموينية على مستوى الجمهورية.

فيما ترصد الدولة سنوياً عشرات المليارات من أجل تغطية برامج الحماية الاجتماعية، حيث تتجاوز مخصصات دعم السلع التموينية والخبز 160 مليار جنيه، فيما تتحمل الخزانة العامة تكلفة إنتاجية تتجاوز 135 قرشاً للرغيف الواحد لتوفيره للمواطن بالسعر المدعم، وهي أرقام تعكس التزاماً وطنياً لا يمكن إنكاره، ودوراً محورياً للدولة في صون الاستقرار المجتمعي وتعزيز الأمن القومي.

من هنا جاء اتجاه وزارة التموين إلى تنقية قواعد البيانات وتطبيق محددات العدالة الاجتماعية بصورة متجددة، وهو توجه مشروع في أصله ولا خلاف عليه في أهدافه، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض المعايير من أدوات لتحقيق العدالة إلى أسباب لحرمان مستحقيها، فتُسفر القرارات عن استبعاد ملايين المواطنين من منظومة الدعم، بينهم أسر محدودة الدخل لم يتغير واقعها المعيشي، ولم تتحسن قدرتها على مواجهة أعباء الحياة المتزايدة.
و تحديداً هنا يصبح من الواجب إعادة النظر والمراجعة والتدقيق، حتى لا يدفع البسطاء ثمن أخطاء التقدير أو قصور البيانات، وحتى تظل العدالة الاجتماعية مظلة للحماية لا بوابة للإقصاء، وسبيلاً للإنصاف لا سبباً في الشعور بالغبن، وأداةً لانتشال المحتاجين من ضيق الحياة لا لإلقائهم خارج دوائر الدعم التي أُنشئت أساساً من أجلهم.

.. المستبعدون من التموين.. هل تصبح «العدالة الاجتماعية» سيفاً مُصلتاً على رقاب الغلابة؟

فإذا كنا قد اتفقنا على أن تنقية قواعد البيانات حق أصيل للدولة، وأن توجيه الدعم إلى مستحقيه هدف لا يختلف عليه اثنان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل نجحت محددات الاستبعاد الحالية في الوصول إلى غير المستحقين حقاً، أم أنها طالت آلاف الأسر البسيطة التي لا تزال تعيش تحت وطأة الغلاء وتكافح يومياً من أجل البقاء؟

فهو ما نجيب عليه في السطور التالية، ونبدأ بمراجعة محددات الاستهلاك والفواتير المرتفعة، والتي تأتي في مقدمة معايير الاستبعاد، ومنها محددات استهلاك الكهرباء، حيث يُنظر إلى ارتفاع الاستهلاك باعتباره مؤشراً على ارتفاع المستوى المعيشي، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
إن المواطن الذي يعيش في محافظة شديدة الحرارة، ويضطر إلى تشغيل جهاز تكييف لساعات قليلة، لحماية أطفاله أو والده المريض أو المسن، قد يتجاوز الحد المحدد للاستهلاك، وهو 650 كيلووات، وهنا يجد نفسه خارج منظومة التموين رغم فقره الشديد، بل إن كثيراً من الأسر التي تم استبعادها من منظومة الدعم والتموين اقتنت أجهزة تكييف قديمة من أسواق «الروبابيكيا»، وبعضهم اشتراها بنظام التقسيط وعلى حساب احتياجات أخرى أكثر إلحاحاً.

فالأمر ذاته ينطبق على فواتير الهاتف المحمول، فالهاتف لم يعد وسيلة للترفيه كما كان في الماضي، بل أصبح أداة عمل ومصدر رزق لملايين المصريين، فالبائع الصغير، وسائق النقل، والعامل الحر، والأسرة المكونة من خمسة أفراد وتستنزف رصيد الوالد في المذاكرة، لا يمكن استبعادهم من منظومة الدعم باعتبار أن ارتفاع فاتورة الاستهلاك يعني رفاهية الحياة، وهنا لا بد من إعادة النظر في هذا المحدد وإعادة توصيفه وتقييمه بشكل كامل.
وعن معيار المصروفات التعليمية فهو من أشد المعايير احتياجاً للمراجعة والتمحيص؛ فثمة بونٌ شاسع بين أسرةٍ سعت طواعيةً نحو رفاهية التعليم باهظ التكاليف، وأخرى ساقتها الضرورة لتكبد نفقاتٍ قاصمة، طمعاً في شق طريقٍ آمن لمستقبل أبنائها.

إن التعليم، في جوهره، هو الاستثمار الأسمى في عصب الوطن ومستقبله، وليس برهاناً قاطعاً على رغد العيش ورفاهية الحياة، فكم من أبٍ استنزف مدخراته، أو كبّل نفسه بأغلال الديون، أو تخلى عن نزرٍ يسير مما يملك، ليمنح أبناءه فرصة تعليمية تليق بهم؛ فهل يُعقل أن يكون جزاء هذا الكفاح النبيل أن يُعاقب بحرمانه من دعم السلع الأساسية؟!

فإقصاء عشرات الأسر من مظلة الدعم لمجرد التحاق أبنائهم بـ"الجامعات الأهلية"، لهو أمرٌ يبعث على الحسرة ويخيب الآمال، ففي ظل انحسار المقاعد في الجامعات الحكومية، وتوجه بوصلة الدولة نحو التعليم الأهلي، يجد الأب نفسه مُساقاً، لا مخيراً، لطرق أبواب هذه الجامعات؛ لتتحول تلك الخطوة التي أُريد بها بناء المستقبل، إلى "مصيدة" قاسية تُقصي أسرته من منظومة التموين.

وعن معايير الدخل والمعاشات، فتقف على قمة المعايير التي تفيض حساسيةً، وتستوجب وقفةً عاجلةً للمراجعة والتقويم؛ لا سيما حين يتعلق الأمر بـ"أرباب المعاشات"، تلك الفئة التي تتربع على عرش الاستحقاق للرعاية والحماية والرحمة، فلقد أفنى هؤلاء زهرة شبابهم في خدمة الوطن والمجتمع، ليجدوا أنفسهم في خريف العمر محاصرين بأعباء صحيةٍ متراكمة ونفقات علاجيةٍ تقصم الظهور وتثقل الكواهل.

فإنه أمر يجافي المنطق ويستعصي على العقل، أن يُقصى كل مُسنٍ ناهز معاشه (4500 جنيه) من مظلة الدعم التمويني، ليُصنف جُزافاً في عِداد الأسر "المرفهة"، في حين أن هذا المبلغ الزهيد يقف عاجزاً وضعيفاً أمام تلبية فاتورة دواءٍ لمرضٍ مزمنٍ واحدٍ من الأمراض التي تنهش في أجسادهم!

وعن معيار امتلاك السيارات المرفهة، وإن بدا في ظاهره وجيهاً ومقبولاً لا مراء فيه، إلا أنه من مجافاة المنطق والإنصاف أن يُطبق على "ذوي الهمم والقدرات الخاصة" وأسرهم.

فليس من العدل في شيء أن يُقصى هؤلاء من مظلة الدعم التمويني، لا لشيءٍ إلا لممارستهم حقاً أصيلاً كفله لهم الدستور والقانون باقتناء سيارةٍ مجهزة، تخفف عنهم وطأة العجز وتعينهم على مشاق الحياة.

وإنها لمفارقةٌ عجيبةٌ تثير التعجب؛ أن تبدو الدولة وكأنها تبسط يداً كريمةً بمنح هذا الحق للطفل المعاق، وتُطلق يد وزارة التموين بالسلب والحرمان من جهة أخرى؛ فيتحول الامتياز الدستوري إلى ذريعةٍ للإقصاء، وتُعاقب الأسرة بالحرمان لمجرد ممارستها حقاً شرعته لها الدولة!.
نصل إلى فئة المستبعدين من التموين تحت بند "سرقة التيار الكهربائي"؛ لنقف أمام مفارقةٍ مجحفة تفتقر إلى أبسط قواعد الإنصاف، فليس من العدل أن نغض الطرف عن واقعٍ مرير يتجرعه ما يربو على ثلاثة ملايين أسرة، حُرمت رسمياً من حقها الطبيعي في توصيل التيار الكهربائي، سواء في المناطق العشوائية أو داخل القرى المصرية، ليجدوا أنفسهم مُساقين، لا مخيرين، نحو توصيل التيار الكهربائي تحت بند معروف ومعمول به رسمياً في الدولة يُعرف بنظام "الممارسة".

هذا النظام، وإن ارتدى ثوب "سرقة التيار" في تكييفه القانوني الجاف، إلا أنه في جوهره ليس اختلاساً بالمعنى الجنائي المكتمل؛ بل هو أمرٌ واقع فُرض على هؤلاء المواطنين منذ عقود، وهم يلتزمون فيه بسداد فواتير "الممارسة" بانتظامٍ شهريٍّ دائم.

من هنا، تتجلى قسوة المشهد حين تطل وزارة التموين لتُشهر سيف الاستبعاد، وتُنزل بهؤلاء عقوبةً مضاعفة قوامها الحرمان من الدعم.

فإن هذا الإجراء يمثل تعقيداً بالغاً وظلماً بيّناً؛ فمن جهة، استقر الفقه والقانون على المبدأ الراسخ الذي يمنع "تعدد العقوبات على الفعل الواحد"، ومن جهة أخرى، رسم القانون حدود الولاية الحصرية في التصدي لمخالفات الكهرباء، وناطها بوزارتي "الكهرباء" و"الداخلية" دون غيرهما، وليس من بينهما وزارة التموين.

نختتم بملفٍ بالغ التعقيد، ألا وهو قضية المستبعدين من منظومة الدعم التمويني تحت ذريعة "التعدي على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة"؛ فثمة مفارقةٌ صارخة، وربطٌ ينقصه السند القانوني، بين اقتراف «مخالفةٍ مادية يعاقب عليها القانون» وبين المساس بـ"الحق الأصيل في الدعم"، مما يطرح تساؤلاتٍ شائكة تستدعي وقفةً جادة وإمعاناً عميقاً للنظر.

إن الدستور والقانون قد رسما بوضوحٍ حدود وجهات الولاية المختصة بمواجهة هذه المخالفات، وأناطا بها وزاراتٍ وجهاتٍ معنية ليس من بينها قطعاً «وزارة التموين»، والمشرع حين تصدى لهذه التعديات، سنّ لها من العقوبات الرادعة ما يكفل زجر المخالفين عبر منصات القضاء وجهات إنفاذ القانون، بينما شُرع الدعم ليكون درعاً واقياً يدرأ عن الأسر غائلة الفقر وقسوة العوز.

ومن هذا المنطلق، فإن حشر هذين الملفين في بوتقةٍ واحدة، يُنذر بالولوج في متاهاتٍ من الإشكاليات القانونية والاجتماعية الشائكة؛ مما يُحتم صياغة معالجةٍ دقيقة تُعلي من سيادة القانون وتقتص من المخالف من جهة، وتصون في الوقت ذاته شريان البعد الإنساني للدعم من جهةٍ أخرى، لئلا نعالج «الخطأ» بـ«خطيئةٍ» تفاقم المعاناة.

فلنا في سياسة "وزارة الداخلية" أسوةٌ حسنة وعبرةٌ بالغة؛ فهي عين الدولة الساهرة على إنفاذ القانون، والجهة المنوط بها تعقب أعتى المجرمين وتقديمهم لساحات العدالة لتنفيذ أحكام السجن، ومع ذلك لا تغفل عن الوجه الإنساني خلف القضبان؛ فتعمد إلى إعادة تأهيل المخطئ، وتُسلحه بحرفةٍ تكفل له كسباً حلالاً، وتسعى جاهدةً لتمهيد طريق عودته إلى المجتمع فرداً صالحاً ينتج ولا يهدم، إرساءً لمبدأ العدالة الاجتماعية الذي كفله الدستور.

فبنظرةٍ أعمق إلى "قانون العمل المصري"، نجده يتجلى في أبهى صور الرحمة حين يُقر استمرار صرف "نصف الراتب" للعامل الذي يقضي عقوبة السجن؛ ليس مكافأةً على جرمه، بل صوناً لأسرته من الانزلاق في مستنقع الانحراف، وحمايةً لزوجته وأطفاله من ذل السؤال وقهر العوز.

هنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فبينما تتكاتف تشريعات الدولة ومؤسساتها لحماية أسرة المخطئ من الضياع، تطل وزارة التموين لتُشهر سيف الإقصاء وتضاعف العقوبة، فبعد أن يتكبد المخالف مرارة السجن، أو فداحة الغرامة ودفع مبالغ التصالح، أو حسرة إزالة البنيان؛ تأتي الوزارة لتزيده ذلاً بعقوبةٍ إضافية غير مبررة، هي عقوبة الحرمان من لقمة العيش!!

وإذا جاز منطق وزارة التموين بحرمان كل مخالف من التموين واستبعاده من الدعم، جاز بنفس المنطق حرمانه من حقه في التعليم، والمياه والسكن وكافة الخدمات التي كفلها له الدستور والقانون.

..كلمة أخيرة إلى وزير التموين
نعرف أن هدفكم هو حماية المال العام، وندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقكم في إدارة واحدة من أعقد منظومات الدعم في المنطقة، لكنني أؤمن أيضاً بأن العدالة الاجتماعية لا تُقاس فقط بما توفره الدولة من أموال، بل بقدرتها على الوصول إلى المحتاج الحقيقي دون أن تظلمه أو تستبعده بسبب مؤشر قد لا يعكس واقعه الفعلي.

فلعل ما تشهده المنطقة والعالم خلال السنوات الأخيرة من أزمات اقتصادية متلاحقة، واضطرابات سياسية وإقليمية متسارعة، وتداعيات الحروب والنزاعات الدولية، قد ألقى بأعباء ثقيلة على كاهل ملايين الأسر، ودفع أعداداً متزايدة من المواطنين إلى حافة الفقر أو ما دونها.

فيما أسهمت موجات التضخم العالمية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد في تآكل القوة الشرائية للأسر محدودة ومتوسطة الدخل، حتى باتت شرائح واسعة تكافح يومياً للحفاظ على الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة.

..سيادة الوزير: إن الأرقام لا تشعر بالجوع، وقواعد البيانات لا تتألم، والخوارزميات لا تعرف معنى أن يجلس أب عاجز أمام أطفاله غير قادر على توفير احتياجاتهم الأساسية، ولا تدرك حجم المعاناة التي تعيشها أسرة أنهكتها أعباء الحياة وارتفاع الأسعار وتكاليف العلاج والتعليم والسكن.

فمن هنا، فإن فلسفة الدعم الاجتماعي لا ينبغي أن تنطلق من منطق الاستبعاد وحده، بل من القدرة على التمييز الدقيق بين غير المستحق الحقيقي وبين المواطن الذي دفعته الظروف الاقتصادية القاسية إلى دائرة الاحتياج رغم امتلاكه بعض المؤشرات الشكلية التي قد توحي بغير ذلك.

لذلك نأمل أن تُعاد مراجعة محددات الاستبعاد بصورة أكثر مرونة وإنسانية، وأن تُفتح أبواب التظلمات والمراجعات الاجتماعية على نطاق أوسع، وأن يُمنح البعد الإنساني وزناً موازياً للمؤشرات الرقمية عند اتخاذ القرار، حتى تظل «العدالة الاجتماعية» عنواناً للإنصاف لا سبباً للشعور بالغبن، ومظلةً للحماية لا سيفاً مُصلتاً على رقاب الغلابة.