الثلاثاء ٠٣ / مارس / ٢٠٢٦
عاجل
logo بشرى لأهالي طنان وقليوب والقناطر.. تفعيل خطوط أتوبيسات جديدة لربط القرى بالقاهرةlogo مستقبل وطن بـ شرق شبرا الخيمة.. يطلق منافذ متنقلة لبيع الأسماك بأسعار مخفضةlogo في ليلة رمضانية بـ شبرا الخيمة.. النائب مجاهد نصار يعلن دعمه الكامل للمبادرات الشبابية بالقليوبيةlogo في ليلة رمضانية بشبرا الخيمة.. وكيل شباب القليوبية يشهد احتفالية اتحاد شباب العمالlogo تحت رعاية "سليم للعطاء".. لقاء موسع للقيادات التنفيذية والشعبية بمقر النائب محمد سليمlogo الحرس الثوري يعلن هجمات جديدة على بئر السبع.. وارتفاع الإصابات إلى 26logo تصعيد خطير.. إسرائيل تعلن اغتيال قيادي بحزب الله وتهدد بقصف الضاحية الجنوبيةlogo غرفة القاهرة التجارية: الأسواق مستقرة والسلع متوافرة رغم التوترات الإقليميةlogo مدبولي: توجيهات رئاسية بمواصلة تطوير التعليم العالي وتعزيز تنافسية الجامعات المصريةlogo ​الرئيس السيسي ورئيس البنك الدولي يبحثان تعزيز الاستثمارات ومواجهة الأزمات الإقليميةlogo وزير الخارجية يتابع أوضاع الجاليات المصرية ويطمئن على المصابينlogo اتصال مصري– فلسطيني يؤكد رفض الضم ويدعو لخفض التصعيد إقليمياlogo اتصال مصري– فلسطيني يؤكد رفض الضم ويدعو لخفض التصعيد إقليمياlogo وزير التعليم في قوص.. دعم البرمجة والبكالوريا الجديدة وتواصل مباشر مع الطلابlogo محافظ أسيوط يتابع مستجدات تقنين أراضي أملاك الدولة ويشدد على سرعة الإنجازlogo بشرى لأهالي طنان وقليوب والقناطر.. تفعيل خطوط أتوبيسات جديدة لربط القرى بالقاهرةlogo مستقبل وطن بـ شرق شبرا الخيمة.. يطلق منافذ متنقلة لبيع الأسماك بأسعار مخفضةlogo في ليلة رمضانية بـ شبرا الخيمة.. النائب مجاهد نصار يعلن دعمه الكامل للمبادرات الشبابية بالقليوبيةlogo في ليلة رمضانية بشبرا الخيمة.. وكيل شباب القليوبية يشهد احتفالية اتحاد شباب العمالlogo تحت رعاية "سليم للعطاء".. لقاء موسع للقيادات التنفيذية والشعبية بمقر النائب محمد سليمlogo الحرس الثوري يعلن هجمات جديدة على بئر السبع.. وارتفاع الإصابات إلى 26logo تصعيد خطير.. إسرائيل تعلن اغتيال قيادي بحزب الله وتهدد بقصف الضاحية الجنوبيةlogo غرفة القاهرة التجارية: الأسواق مستقرة والسلع متوافرة رغم التوترات الإقليميةlogo مدبولي: توجيهات رئاسية بمواصلة تطوير التعليم العالي وتعزيز تنافسية الجامعات المصريةlogo ​الرئيس السيسي ورئيس البنك الدولي يبحثان تعزيز الاستثمارات ومواجهة الأزمات الإقليميةlogo وزير الخارجية يتابع أوضاع الجاليات المصرية ويطمئن على المصابينlogo اتصال مصري– فلسطيني يؤكد رفض الضم ويدعو لخفض التصعيد إقليمياlogo اتصال مصري– فلسطيني يؤكد رفض الضم ويدعو لخفض التصعيد إقليمياlogo وزير التعليم في قوص.. دعم البرمجة والبكالوريا الجديدة وتواصل مباشر مع الطلابlogo محافظ أسيوط يتابع مستجدات تقنين أراضي أملاك الدولة ويشدد على سرعة الإنجاز

الظلّ المفقود .. !

الظلّ المفقود .. !
خالد العرفي
بقلم خالد العرفي

استيقظتُ ذات صباح، في مكانٍ لم يعُد يعرف نفسه. كان العالم ما يزال هنا، لكن كل ما فيه — والزمن أيضًا — قد اختفى. ووجدتُ نفسي الدليلَ الوحيد على أنه كان موجودًا.


حقًا، كل شيء كان ساكنًا… إلى أن تذكّر العدمُ اسمي.هكذا، حينما استيقظتُ، لم أجد شيئًا أعرفه.لم أسمع سوى صوت ذلك العدم يتنفّس. كان الضوء غائبًا، والظلام متيقّظًا ينتظرني، واللاشيء أول ما رأيت، ومع ذلك خُيِّل إليّ أنه يحدّق بي ساخرًا.
(١)
كان الصمت ممتدًا كصحراء بلا حدود، والغبار الداكن يهبّ في مواجهة الطريق ككائنٍ حيٍّ يرفض أن يدعني أرى ما وراءه.

لم يكن هناك تاريخ يؤرخ ما حدث، ولا أثرٌ لحياةٍ سابقة. بدا المكان كصفحةٍ نُزِعت منها الذاكرة.بدا العالم كأنه انسحب بهدوء من حولي، تاركًا خلفه غبارًا داكنًا يهبّ في مواجهة الطريق، كأنه نَفَس الأرض الأخير.

لم يكن هناك تاريخ، ولا ذاكرة، ولا حتى أثر يدل على أن الحياة كانت هنا ذات يوم.
سألت نفسي:لِمَ لا أرى الأشجار؟ أين الصباح؟
كيف اختفى البياض في سواد خطواتٍ معذبةٍ لا تعرف طريقًا؟ كأنها تحفر في العدم طريقًا بلا نهاية؟أين البشر؟ أين الكواكب والنجوم؟
كيف تغيب الشمس دون أن تودعني ولو بنظرةٍ أخيرة؟كانت الأسئلة تتقافز داخلي كأفكار مذعورة. لم يكن في المكان ما يدلّ على أن شيئًا عاش هنا يومًا ما.كان صوتي يطرح الأسئلة لا بحثًا عن إجابات، بل بدافع العادة القديمة التي كان البشر يسمّونها “وعيًا”.
لم يكن ثمة بشر. ولا كواكب. ولا غروب.
اختفت الشمس كما تختفي الذكرى في عقل رجلٍ مسنّ نسي أسماء أولاده.
كنت وحدي، كما لو أنني آخر من تبقّى من الذاكرة.أسير بين العدم وقطعة موسيقى مجهولة المصدر، أسأل نفسي إن كان ما يحدث حقيقيًا أم حلماً لم ينته بعد.
(٢)
تشظّى كل معلمٍ من حولي، وبهتت التفاصيل كأحلامٍ تتبخر عند أول ضوء. المباني مبعثرة كأفكاري حين أعيد تأمل حياةٍ لم تعد تجدي. لا زخرف. لا دفء. مجرد حجارة باردة تُقيم صمتها الأبدي.
لم أدرِ إن كان من فيها لا يزال حيًّا، أم أنه مثلي يختنق في دخانٍ لا يُرى، في قبوٍ لا يُفتح.
اختلطت الأشياء ببعضها حتى غدا المكان خليطًا من الرماد والخيال. ثم أخذت الفوضى تختفي رويدًا رويدًا، كأنها خجلةٌ من نفسها، كاشفةً عن مبانٍ شائهةٍ مبعثرة لا زينة فيها ولا حياة.
حتى الانهيار، حتى الاندثار، حتى التلاشي — كلها تحتاج إلى قلبٍ إنساني ليفهمها.ربما عاش هنا أناسٌ من قبل، واعتادوا على الموت أكثر مما اعتادوا على الحياة.
كانت أركان البقعة رابضةً على مشارف مجهولٍ بلا جهات.
الأسى يهبّ من أطرافها كريحٍ بلا مبدأ. والظلال تمتدّ فوقها، تتناسل من فروعها كأيدي حائرةٍ تبحث عن معنى.لا شمس. لا فجر. فقط سكونٌ متخثّر كدمٍ قديم.
(٣)
في ذلك الفراغ الموحش، سمعتُ ما يشبه “الهسهسة”، صوتًا خافتًا يقضم الصمت بأسنانه.تأوّهاتٌ، تمتماتٌ مكتومة، وأشباحٌ تمشي على رؤوسها كأنها تخاف أن تثير انتباه أحد، كأن الريح تتحدث مع نفسها.
كانت الأصوات أقرب إلى نَفَسٍ جماعيٍّ لكائناتٍ لم تُخلق بعد، تئنّ لأن الوجود تأخر عنها. أرواحٌ تبحث عن أغنيةٍ نُسيت كلماتها، جوقة من التائهين الذين ما زالوا ينتظرون قطارًا لا يأتي، في توقٍ إلى الطمأنينة.تمنيت لو أعود إلى ماضٍ بعيد، إلى زمنٍ لا حماقات فيه، لكن الماضي ليس مكانًا للعودة، بل مرآةٌ غائمة تعيد إليّ ما أحاول نسيانه.
كنت أهرب من كل شيء، حتى من نفسي، ومع ذلك كانت نفسي تسبقني.
لو كان ظلي هنا، لقال:"حتى في الظلام، لا بد أن يكون هناك جارٌ يشتكي من الضجيج."أردتُ العودة إلى زمنٍ لم أكن فيه شاهدًا على انقراض الضوء.
لكن في رأسي همس:“العودة وهم، كل زمنٍ يبتلع ظله.”لم أستسلم لليأس، لكنه كان يزحف ببطء، كالثلج في قصةٍ طويلة، يغطّي القلب طبقةً طبقة، حتى لا يبقى فيه سوى صوت داخلي يقول:
"تابع السير، فالهلاك نفسه نوع من المعرفة."
(٤)
ثم رأيته.كان أشعثًا، يرتدي رداءً بلا لون، وجهه ذائب في الظلام كشمعةٍ لم تجد لهبًا.
لم أعرف من هو، ولا من أكون أمامه.حاول أن يوثّقني برباطٍ لا يُرى، كأنما يريد أن يجعلني نسخةً ثانية منه.
سألته بعينيّ: من أنت؟ لكنه لم يُجب.إلا أنني سمعت همسًا من بعيد يقول:"كل شخصٍ يلتقي ظله يومًا ما، المشكلة أنه لا يعرف أيّهما الحقيقي."
اقترب أكثر.عيونه بلا بصر، وجسده بلا ظل، وصمته ثقيل كاعترافٍ متأخر.
شعرتُ بقبضةٍ جليديةٍ تلتف حول عنقي.لم تكن قبضة عدوّ، بل كأنها يد الحياة نفسها تمتحن إن كنت ما زلت أتنفّس.
صرخت في داخلي: “ما كان لي أن أضلّ بين تلك الزوايا!”لكن الصوت لم يخرج، لأن الروح لا تصرخ، بل تتأمل موتها بوقار.
تجمدت الأرض.
بردٌ أشد من ذكرى لا تُنسى.
كنت كفراشةٍ فزعةٍ تاهت عن الضوء فاختطفتها النار.ثم رأيته يغيّر جلده، ينسلخ من ذاته كما ينسلخ الإنسان من إيمانه حين لا يجد ما يصدّقه بعد اليوم.اقترب مني أكثر، وهمس بصوتٍ لا يصدر من فمٍ:“لسنا ببشر.”
حينها فقط أدركت أن الإنسان لا يخاف العدم، بل يخاف أن يراه في وجهه.
(٥)
سرتُ مبتعدًا عنه، أجرّ ظلي كجثةٍ ثانية. الطريق كان يناديني باسمٍ نسيته منذ زمن. ربما كان اسمي، وربما لم يكن.
في البعيد، ارتجفت جملة ساخرة في ذهني:"كل شيء مؤقت، حتى التيه."
ثم جاءت لحظة الرحيل — تلك اللحظة التي لا يفرّق فيها بين موتٍ وحلمٍ طويل.
لم أرتعب، لكن شيئًا ما انكسر داخلي. كان في الصمت ما هو أعمق من الخوف، وما هو أثقل من الموت.حاولتُ أن أتحرّر، أن أستعيد نفسي، لكن الظلال كانت أسرع من الضوء. سمعت وقع أقدامه خلفي، يقترب بخطى باردة.
انقبضتُ، وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميّ، حتى صار الزمن كله لحظةً واحدة سرمدية تمتدّ بلا بداية ولا نهاية.
حينها سمعت نفسي تهمس بصوتٍ متشظٍ:“لست وحدي. نعم لست وحدي. لابد أن هذا الطريق المرهوب قد سار فيه غيري من قبل.”
ثم همست ثانية:
"كلنا نسير، لكن لا أحد يعرف إلى أين."
(٦)
رأيت البقعة تبتلع ما تبقّى مني، بينما أقول لنفسي: "لست وحدي.
تمنيت أمنيةٌ تطبطب على قلبي المتعب، وكأنها وعدٌ بأن الألم أيضًا له نهاية. لكن شيئًا ما كان يبتسم في الظلال، يهمس: "كل نهاية هي بداية لحلمٍ آخر.واصلت المسير، والريح تمسح آثار قدميّ قبل أن أراها.لم أعد أبحث عن إجابات، لأن الأسئلة نفسها أصبحت أصدق من أي جواب.
الرداء.. الكهف.. الشبح.. كلّها وجوهٌ لنفسٍ واحدةٍ تفتّش عن معناها.
أتُراني كنت أبحث عنه، أم أنه كان يبحث عني؟ومازلت أسمع ما بالظلال هامسًا: "لا فرق، فكلينا سيصل متأخرًا.
وفي آخر الطريق، حين كدتُ أن أختفي، شعرت بشيءٍ يشبه النور، لا يأتي من الشمس، بل من داخلي.رائحة جديدة، كأنها نَفَسُ الحياة في رئةٍ منسية. لحظة ميلادٍ ثانية، بلا قابلةٍ ولا شهود.
وضحك ظلي: "في النهاية، سيموت قبل أن يجد أيًّا منهما."
لكنني ابتسمت.
لأنني، وسط كل ذلك التيه، عرفت أن النجاة ليست في الوصول، بل في أن تواصل السعي.
رحلت، مخضّبًا صدري وظهري بالدم، دون أن أسقط.الدم كان شاهدًا على أني ما زلت حيًّا، أو أنني أحاول أن أكون كذلك.
لم أبحث عن تفسير، لأن كل تفسيرٍ في مثل هذا العالم كحلم محال.
كانت الحكاية تقول لي:"لا تحاول فهم ما حدث، فالحقيقة في مكانٍ آخر."وهكذا مضيت، عازمًا، كظلٍّ يعبر بين سطور الحياة، تاركًا خلفي كلمة واحدة فقط، محفورة على صمت الأبد: أنى مازلت حيا.
(٧)
ابتعدتُ عن ذي الرداء وما يُخفيه، لكن أثره ظلّ يسكنني.
كنت أشعر أن بيننا مسافة حديدية، كأنها جدارٌ يفصل بين الحياة والموت.
وحين لوّح لي بنصف ذراعه، سمعته يقول بصوتٍ كأنه صادر من جوف بئرٍ لا قرار لها:
“لا عليك. لك حق فيما قلت. لسنا ببشر.”ربما كنت أنا هذا الكائن، لكن ربما في زمنٍ آخر.

(٨)
تابعت سيري، والريح تهمس في أذني كأغنيةٍ منسية.كل خطوة كانت تردّ إليّ شظايا ذاكرة، كمن يجمع صورًا احترقت ولم يبقَ منها سوى الرماد.تذكّرت الوجوه، الأصوات، والحروف التي لم تُكتب بعد.

اختلط الحلم بالواقع، وتماهت الحدود حتى صرت لا أعرف إن كنت أعيش أو أتذكّر أنني عشت.كلما تقدمت خطوةً، عاد شيءٌ من الماضي ليأخذ بيدي.كأن الذاكرة كانت الطريق نفسه، لا مجرد رفيقة طريق.

(٩)
ثم كانت النهاية التي هي في الوقت نفسه بداية.شممت رائحةً جديدة، لا تُنسى.
لحظةٌ فريدة، كأن الحياة نفسها تُولد من رمادها. رأيت طيفًا يهديني، بعينين صافيتين، بلغةٍ لا أعرفها لكني أفهمها. كانت حروفها محفورة على جدران قلبي، بلونٍ سديميٍّ يذكّرني بأن الروح لا تموت، بل تتبدّل.
ربما لم أجد شيئًا، لكنني على الأقل حاولت.
هناك، في عمق الضوء، لا موتى ولا قبور، لا شواهد ولا ظلال.
هناك فقط الروح والنور والحقيقة.
تبدّدت العواصف، وهدأ كل شىء. المدينة التي كانت تضجّ بالكذب انطفأت أنوارها، لم يتبقَّ لي إلا ما وعاه العقل وما أنقذه القلب. نجاة ليست في الهروب من الظلام، بل في المضيّ.
وفي صمت لا يجيب، وحين انطفأ كل شيء، أضاء فيّ ما لا ينطفئ. علمت أن التيه لم يضلّني… بل قادني إلى أن أُبصر.
رأيت ظلّي المفقود يبتسم لي بصمت، كأنه يقول: لن أعود، لكنك ستظل تبحث عنّي في الفراغ.في النهاية، أدركت أن النجاة كانت دائمًا في متابعة الطريق، لا في العثور على وجه النهاية.